تاريخ النشر2010 10 July ساعة 11:55
رقم : 20534
فضل الله في صلاة الجمعة ببيروت:

لقد عاش السيد (رض )، متمثُّلاً بهدْي رسول الله(ص) الّذي عاش همَّ النّاس

ألقى سماحة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين،
السيد علي فضل الله
السيد علي فضل الله

وكالة أنباء التقریب

ألقى سماحة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين،


ومما جاء في الخطبتين: الخطبة الأولى وصية السيّد حفظ الإسلام

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}[البقرة: ١٥٥ـ ١٥٧].
آن للجسد الطاهر أن يرتاح
وأخيراً... رقد هذا الجسد المثقل بالتّعب والألم والمعاناة، فقد آن له أن يرتاح، وفي المكان الّذي أحبّ وأوصى به، محتضناً المسجد بجوار قاعة جدّته الزّهراء(ع)، بين كلّ الذين أحبّهم وأعطاهم من قلبه وعقله وحياته الكثير...
هدأ هذا الجسد الطّاهر الذي لم يعرف هدوءاً، ولم يعش الرّاحة منذ سنيّ عمره الأولى، وهو الّذي كان يعتبر أنّ الراحةَ في هذه المرحلة حرام.
رحل هذا الجسد وهو يحمل في ثناياه الأحلام والطّموحات الكبيرة التي كان يريد أن يحقّقها لولا المرض الذي أنهكه، ولهذا أبقاها فوق ضريحه، كما عبّر في بيتين من الشّعر نظمهما في آخر لحظات حياته:
أنا حَسْبي إنْ تَغَشّاني الدّجى في ظلامِ اللّيلِ آهاتُ جروحي
فالتفاتـاتُ حيـاتي فكرةٌ سوف تبقى حُلُماً فوقَ ضريحي
القلب الّذي لم يعرف إلا الحبّ
من على منبرك ـ وكم يعزّ عليّ يا والدي أن أخاطب محبّيك وقد ارتحلْتَ عن هذه الدّنيا ـ من على منبرك ـ أيّها السيّد الوالد ـ أخاطب أحبّاءك كما أحببت أن تخاطبهم دائماً:
أيّها الأحبّة... أيّها الأوفياء... أيّها الطيّبون.. كنتم دائماً في قلب السيّد كما كان السيّد في قلوبكم... وعزاؤنا بارتحال السيّد الوالد، هو حرارةُ دموعكم أيّها الأوفياء..
أيّها الطّاهرون، يا مَنْ أحبّكم السيّد، وأفنى عمره الشّريف في خدمتكم، آملاً أن نرتقي إلى مستوى القِمّة في كلّ ما يرفع مستوانا في الحياة...
أيّها الأحبّة، يا مَنْ بادلتم السيّد وفاءً بوفاء... حبّاً بحبّ... إنّ وَقْفَتكم التاريخيّة في مُصابنا، وإنّ حرارةَ دموعكم التي انهمرت حزناً على السيّد الوالد هي عزاؤنا... أنتم في عيوننا، كما كنتم دائماً في عيون السيّد.
رحل سماحة السيد (رضوان الله عليه)، وقد أبقى لنا الكثير، أبقى لنا هذا الحبّ الدّافق لله ولرسوله ولأهل بيته، والّذي تمثّل في مسيرته
صلاةً وذكراً ودعاءً، ومسؤوليّةً وعملاً وجهاداً.
لقد اتّسع قلب سماحة السيّد للجميع، حتى لأولئك الّذين شهروا بوجهه سيف العداوة، وجاهروا بها، فدعا إلى جعل لغة المحبّة لغة الحياة، حتى تكون الحياة أرقى وأطهرَ وأصفى وأبقى... أن يحبّ الإنسان الّذين يلتقون معه ليؤكّد لغة التواصل، وأن يحبّ الذين يختلفون معه ليؤكّد نقاط اللّقاء ويعمّق لغة الحوار.
حفظ الإسلام
لقد عاش السيد، وتمثُّلاً بهدْي رسول الله(ص) الّذي نعيش في ذكرى مبعثه الشّريف، همَّ النّاس، انطلاقاً من دوره كمرجعٍ إسلاميّ، مجسّداً الصّورةَ القرآنيةَ لعالِم الدّين الربّاني، مستهدياً ـ باستمرار ـ قول الله في حنوِّ رسول الله على أبناء الأمّة: {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}[التّوبة: ١٢٨].
لقد أبقى لنا السيّد (رضوان الله عليه) وصيّتَه الأساس، وهي حفظ الإسلام، فهو هبةُ الله لعباده، ورحمةٌ منه لهم، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويُحِلُّ لهم الطيّباتِ ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرَهم والأغلالَ التي كانت عليهم، وهو النّور الذي يضيء لهم طريق حياتهم، ويطلق لهم فيها الحرية والعدالة والأمن والسلام.
علينا جميعاً أن نكون كما كان السيّد (رضوان الله تعالى عليه)، مؤمناً بأنّ الإسلام رسالةٌ للحياة والكون والإنسان، فقد أخرج السيّد الدّينَ من سجون العصبيّات الطّائفيّة والمذهبيّة والفئويّة، محذّراً من تأثيراتها السّلبيّة على مجمل واقع الأمّة، تمزّقاً وتفريقاً وانقساماً، وطمعاً للعدوّ بخيراتها وطاقاتها وإمكاناتها.
أرادنا السيّد أن نعيش روحيّةَ القرآن كما عاشها في كلّ حياته وحركته، فعَشِقَ القرآنَ بقلبه وعقله وروحه... ولقد خاطبنا على الدوام، بأنّ علينا أن نتربّى بالقرآن، وفي ضوء هذا المنهج القويم، لتكون مفاهيمُه مفاهيمَنا، وحركتُه حركتَنا في الحياة...
كما أوصانا أن يظلّ رسولُ الله(ص) حاضراً في أذهاننا كما عاش في ذهنه وفكره وعقله، معتبراً أنّ دور العالِم الدّيني، هو دور الرّسول عن الرّسول، ودور الدّاعية عن الدّاعية الأوّل، ودور الإنسان الذي يتحمّل مسؤوليّة الإسلام في حياته...
وأن نظلّ مع عليّ(ع)، الذي كان سماحة السيّد يذوب حبّاً عند الحديث عنه، لأنّ عليّاً كان ـ كما قال رضوان الله تعالى عليه ـ فوق العصمة...
وأن نظلّ مع الزّهراء(ع)، جدّته وقدوته التي وَجَدَ فيها إشراقةَ العقل وسرَّ النبوّة... فهي أمُّ أبيها.. وقدوةُ الرّجال والنّساء.. الصّابرة المحتسبة رَغم كلِّ الجراح والآلام.. وإنّ سرَّها يكمن في أنّها الرابطُ المتين بين النبوّة والإمامة، وأنها صلةُ الوصل بينهما، فهي زوجة أوّل إمام، وأمّ الأئمّة الباقين من نسلِها ونسلِ زوجها أمير المؤمنين عليّ(ع).. وقد اختصّها الله بهذه الميزة والفضيلة، لأنها كانت المرأة الأكمل، والنّموذج الأرفع طهراً وقدساً وعبادةً وزهداً وخُلُقاً..
وهكذا أكّد سماحته أن نثبت على التزام نهج البقيّة من أئمّة أهل البيت(ع) الذين أذهب الله عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيراً، فقيمتهم(ع) أنّهم انطلقوا بعيداً عن
ذواتهم، فعاشوا الرّسالة كلَّها في فكرهم وإحساسهم وحركتهم وآمالهم، حتى كان كلُّ واحد منهم قرآناً يتحرّك، ورسالةً تتجسّد.
صلاة الجمعة مشروع إسلامي
لقد أوصانا سماحةُ السيّد (رضوان الله تعالى عليه) في ساعاته الأخيرة، بأنْ يبقى المسجد عامراً بحضوركم، لأنّ الله أراد لصلاتنا أن تكون فاعلةً في العقل والقلب والحركة، مؤكّداً أنّ المسلمين الّذين يبتعدون عن المسجد، يبقى الإسلام عندهم مجرّد كلماتٍ لا نَبْضَ فيها ولا روح...
وبكلّ كيانه ووجدانه وروحه، عاش السيد صلاة الجمعة كمشروعٍ إسلاميّ، محورُه هذا الاجتماع الأسبوعيّ، تعزيزاً للوحدة، ولقاءً تربويّاً للمؤمنين، وترسيخاً لثقافة الوعي الدّينيّ والسياسيّ والاجتماعيّ... وبقيَ، وهو في أقسى حالات مرضه، مواظباً على حضور صلاة الجمعة، وقد شاهدتموه وسمعتموه وهو يتحامل على نفسه في ذروة معاناته الصحيّة ينادي: أيُّها الأحبّة... احفظوا دينَكم ولا تَأْخُذْكُم في الله لومةُ لائم...
العهد بالحفاظ على المسيرة
إنّنا إذ نفتقده في هذه المرحلة الصّعبة، نعيش معنى أنّ السيّد كان بحجم أمّةٍ في رجل... ونحن إذا كنّا بفضل الله ورعايته قد شعرنا في وجوده بالأمان، وعملنا بتوجيهاته وإرشاداته في مواجهة القضايا الكبرى على كافّة المستويات... فإنّنا، ورغم شعورنا بِعِظَم الحَدَث الجَلَل، نقول: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، ونعاهدك أيها الحبيب، أنّنا سنصبر لنقوى ونستمرّ، لأنّ الإرث الّذي اعتصرت عمرك في سبيل بنائه وترسيخه كبير وكبير جدّاً، ويحتاج إلى عزم الأقوياء، وتلاحم الجهود وتضافرها، ولن يكون ذلك حِمْلاً على فرد، وإنما يحتاج إلى كلِّ طاقات الطيّبين والخيّرين والرّساليّين والمجاهدين والأحرار، وكلِّ الحريصين على سلامة الإنسان والمجتمع...
وهذا ما يحمِّلنا مسؤوليّاتٍ كبيرةً في إكمال ما بدأه السيّد، وما خطّط له حفظاً للواقع الإسلاميّ، معاهدين الله على إكمال مسيرته وسيرته في الالتزام بوصيّته، وذلك بالخروج من زنزانات العصبيّات والأحقاد، إلى رحاب الوحدة بين المسلمين والوحدة الوطنيّة، ملتزمين بهذه الوصيّة المقدّسة في مواجهة ما يُحاك لنا من فتنٍ ومؤامرات... واضعين في أولى اهتماماتنا دعمَ كلّ موقع إسلاميّ أو إنسانيّ أو وطنيّ يواجه الاستكبار العالميّ الذي يعمل على مصادرة حرّية الشّعوب المستضعفة وكرامتها... وأكبرُ وفاءٍ للسيّد، هو تمسّكنا بالقضايا الأساسيّة الكبرى رغم كلِّ التحدّيات والمعوّقات، وتطهّرنا من كلّ أفكار الغلوّ والتّكفير والخرافة، لنحمل التشيّع كإشراقة شمسٍ في الإسلام لا ينطفئ نورُها حتى قيام السّاعة..
نعاهدك سيّدي أن نظلّ في مواقع الأمّة، حيث فلسطين القضيّة، وحيث العراق الجريح، وأن نبقى مع المقاومة... هذه المقاومة التي سنعمل على حفظها بأهداب العيون، والّتي ما زالت كلماتك في دعمها وتأييدها تتردّد أصداؤها في مواقع النّصر مع المجاهدين، وستكون كتابَ العزّةِ الّذي
نقرأه كلّ يوم...
لا يزال صدى صوتك ـ يا سيّدي ـ ينتشلنا من مواقع الخوف إلى مواقع العزّة، لن ننسى حينما خاطبت أحباءك المجاهدين في أحلك الظّروف وأصعبها: "أيّها البدريّون الّذين يستمدّون القوّة من الله، ويستوحون روحيّة النّصر منه"... سيّدي، ستبقى هذه الوصيّة في حنايا ضلوعنا تنبضُ بالحياة...
وهكذا لا يمكن أن ننسى وصاياه الدّائمة برفع مستوى المجتمع، وهو الّذي عَمِلَ على ذلك من خلال إقامة المؤسّسات الرّعائيّة والاجتماعيّة والتّربويّة على أنواعها، والتي تهتمّ بشؤون الأيتام والفقراء والمستضعفين، وقد تحمّلتم وتحمّلنا معه هذه المسؤوليّة التي نعاهده أن نبقى أوفياء لها.. وسنكمل معاً بإذنه تعالى كلّ ما عَقَدَ السيّد عليه الآمال في رعاية كلِّ هؤلاء، والمساهمة في تخفيف آلامهم، والعمل على تحقيق آمالهم...
بقاء النّهج والخطّ
أيّها الأحبّة... إذا غاب عنّا السيّدُ الجسد، فقد ترك لنا المنهجَ والخطّ، وواجبَ حفظِ الإسلامِ، والتزامَ شريعته وأخلاقيّاته.. لقد علّمنا من خلال مسيرته المباركة، أنّ الحياة ليست قائمةً على فرد، لذلك جسَّد السيِّد(رضوان الله عليه) بحركته الفكر والخطّ... فالمؤسّسات ستبقى أمانةَ الله في أعناقنا جميعاً لحفظها وتطويرها، لكي تكون على الدّوام خادمةً لكلّ مَنْ أُنشئت لأجلهم، وستبقى مستمرّةً بالتّفاعلِ والتّواصلِ معكم يا أهلنا، يا أحبّتنا، أيّها الأوفياء... وسنُبقي بإذن الله على المنهج حاضراً، كما كان في حياته الشّريفة، كذلك بعد رحيله إلى حيث المقرُّ الأبديُّ في جنان الخلد..
أيّها الإخوة، قد نختلف في المرجعيّات، أو في بعض أساليب العمل ووسائله، أو في تقييم بعض الأمور، أو في أسلوب الدّعوة إلى الله، أو في النّظر إلى بعض المسائل الفقهيّة وغيرها.. ولكنّنا يمكن أن نتّفق على كلّ هذا الفكر الإسلاميّ الإنسانيّ الحضاريّ لسماحة السيّد، في إبقاء الإسلام نقيّاً صافياً، قويّاً في ساحات التحدّي التي يواجهها..
وهكذا علّمنا أن نكون حريصين دائماً على رسالة الله، نعطيها من جهدنا وعرقنا ودمائنا وأموالنا، لأنّ الاستكبار شَهَرَ كلّ أسلحته في وجوهنا، فلا وقت للاسترخاء والرّاحة والدَّعة أمام التحدّيات...
أيّها الأحبّة: كان الإسلامُ كلَّ همّه... وكانت الحقيقة غايتَه... وكان رضى الله غايةَ مُناه.. وإنّنا نعاهد الله أنّ نحفظ الرّكائز الثلاث التي عمل على ترسيخها ولطالما حكمت مسار عمله، وهي التي كان يردّدها على الدّوام: "العقل مفتوح، والقلب مفتوح، والبيت مفتوح"... ولن تُغلق بإذن الله أبوابُ هذه الرّكائز... سيبقى نورُ السيّد وصفاءُ روحه ووَهْجُ قلبه وإشراقةُ وجهه... سيبقى كلّ ذلك حاضراً في حياتنا..
وإنّنا نعاهدكم أيّها الأحبّة.. أنّنا سنستمرّ، كما كان السيّد، حاملين لكلّ القضايا
الكبرى في عالمنا... ولكلّ آلامكم وآمالكم في عيوننا والقلوب.. وأنّ موكب الحبّ الّذي خطّه سماحة السيّد للرّسالة والدّين والإنسان، سيبقى خطّنا ونهجنا وسيرتنا، وسنبقى الأوفياء لكلّ ما أوصانا به.. قولاً وعملاً وسيرةَ حياة..
إلى جنان الله
أيّها السيّد: يُلِحُّ علينا القلب تحرّقاً وشوقاً لرؤية وجهك السّمح، ولسماعِ صوتك العذب، ولتلمّس حنوّ يديك... يا حبيبَ الكلّ، يا أبَ الكلّ.. يا نورَ العيون في ظلمة اللّيل... يا شلاّلَ النّور ظلَّ متدفّقاً خيراً وصلاحاً وَوَرَعاً وتقوى...
إلى مسراك الرّساليّ والاجتهاديّ والإنسانيّ تتوجّهُ العقول والقلوب...
عزاؤنا أنّك بين النّبيّين والصدّيقين والشّهداء وحسُن أولئك رفيقاً..
لن نقول يا والدي إلا ما قاله جدّك رسول الله(ص): "تدمع العين ويحزن القلب وإنّا والله على فراقك لمحزونون".
سيّدي: كلُّ الأحبّةِ الذين ذرفوا على غيابك دموع الحبّ والشّوق والحنين، في كلّ أصقاع العالم، حزناً على رحيلك، أباً، حنوناً، عطوفاً، محبّاً، غيوراً، مقاوماً، أبيّاً، ورعاً، تقيّاً، فقيهاً مجتهداً.. يعاهدونك جميعاً على أن نبقى على خطّك ونهجك.
يا والدنا.. يا والد الكلّ.. أيّها الرّاحل الكبير، كأنّك تخاطبنا من عليائك: أُحبّكم جميعاً وسأظلّ أحبّكم لله، أنتم أبنائي وأخوتي في الله، وإلى اللّقاء في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
ثبّتنا الله وإيّاكم على خطّه، خطّ الإسلام في خطّ أهل البيت(ع)، فكراً ونهجاً وسلوكاً... وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
و اضاف السيّد علي فضل الله في الخطبة الثانية قائلاً: الساحة الإسلاميّة تفتقد السيّد:
يدخل لبنان والمنطقة العربيّة والإسلاميّة في مرحلةٍ جديدةٍ بعد رحيل سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، فقد طبعت المرحلة السابقة بطابعه الجهاديّ والعلميّ والتّنويريّ والفقهيّ والسياسيّ وما إلى ذلك.
لقد ملأ سماحته ـ رضوان الله تعالى عليه ـ المرحلة التي عاشها عطاءً متواصلاً استمرّ إلى آخر أيّام حياته، حيث عمل على رعاية شؤون النّاس، والإجابة عن أسئلتهم، والسؤال عن حال الفقراء والأيتام، ومتابعة قضايا العالم الإسلاميّ حتّى آخر لحظةٍ من لحظات حياته، وكان يحاول الانتصار على المرض، كما انتصر على مشقّة الأيّام في كلّ رحلة حياته التي كانت رحلة عطاءٍ عنوانها المحبّة، هذه المحبّة التي عاشها بين يدي الله، وفاضت بها نفسه الزّكيّة الطّاهرة حبّاً للنّاس، حتى لأولئك الّذين لم يفهموه، أو حاولوا الإساءة إليه، لأنّه كان يستهدي رسول الله(ص) والأئمّة الأطهار، وكان يردّد دائماً: اللّهمّ اغفر لقومي إنهم لا يعلمون.
لقد افتقدت السّاحة الإسلاميّة كلّها لسماحته، وشعر الجميع بحجم الفراغ في غياب هذه الشخصيّة التي حرصت على حماية الواقع الإسلاميّ ومسيرة الوحدة الإسلاميّة التي كان يعتبرها الخيار الأوّل والأخير... وأنّه لا مجال للتّنازل عنه،
لأنّ التّنازل والارتداد عنه يعني رهن الأمّة للأعداء، وكشفها للآخرين أمام زحف الفتن، وهجمة الطغاة، ووحشية الاحتلال.
الوقوف إلى جانب القضايا الإسلاميّة
إنّ علينا أن نقف مع كلّ قضايانا عندما نعيش أفق هذه الشّخصيّة الإسلاميّة الكبرى، لأنّ سماحته يستمرّ حيث يستمرّ العمل للإسلام ولقضايا الأمّة، ولذلك فإنّ علينا أن نقف إلى جانب الشّعب الفلسطينيّ في محنته، وفي التحدّيات الكبرى التي تواجهه، وخصوصاً في ظلّ تصاعد حدّة الهجمة التي انكشفت معالمها أخيراً في الاتفاق الأمريكيّ الإسرائيليّ، الذي توضّحت معالمه في اللّقاء الأخير بين رئيس حكومة العدوّ والرّئيس الأمريكيّ، لتفسح الإدارة الأمريكيّة في المجال واسعاً لكيان العدوّ لكي يوسّع دائرة زحفه الاستيطانيّ، لأنّ هذه الإدارة تحتاج إلى أصوات "اللّوبي" اليهودي في الانتخابات الأمريكيّة النصفيّة القادمة، ولتدخل البقيّة الباقية من الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة في دائرة التهويد الذي لا يترك أمام الفلسطينيّين من خيارٍ إلا المفاضلة بين الذّبح بالسيف أو الإعدام رمياً بالرّصاص...
إنّنا ندعو شعوبنا، كما كان يدعوها سماحة السيّد (رضوان الله عليه)، ومن على هذا المنبر بالذّات، إلى الوقوف إلى جانب الشّعب الفلسطينيّ، وكسر حلقة المؤامرة التي تقوم على إعطاء الفلسطينيّين الفتات مقابل توقيعهم على شطب القضيّة وإنهائها بالكامل.
وعلى شعوبنا أن تدرك حجم المؤامرة في سعي المحاور الدّوليّة إلى تحريك الفتنة في الواقع الإسلاميّ، وتعقيد العلاقات بين الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران والدّول العربيّة المجاورة لحساب العدوّ، وسعي الجهات المعقّدة لإغراق الأمّة في الفتن المتحرّكة، من خلال العمليّات الإجراميّة هنا وهناك، كما حصل ويحصل في العراق، ولإراحة هذا الكيان الغاصب الّذي يريد لهذا الوضع أن يمهّد الطّريق لجولاته العدوانيّة القادمة.
لبنان: مرحلة صعبة في غياب السيد
أمّا في لبنان، فعلينا أن نكون على حذرٍ شديدٍ حيال ما تسعى بعض الدّوائر الاستكباريّة لحياكته بالتّعاون مع كيان العدوّ واستخباراته، وما الكلام الصهيونيّ الأخير حول إمكانيّة تدهور الأوضاع في الشّهور القادمة في لبنان، بالتّزامن مع صدور القرار الظنّي من المحكمة الدّوليّة، إلا تمهيد لذلك، وتهيئةٌ لأجواء الفتنة الّتي لا بدّ من أن نتصدّى لها ونعمل لوأدها في مهدها...
إنّنا نطلّ على مرحلةٍ جديدةٍ صعبةٍ، وعلينا أن نستعدّ لها على جميع المستويات، وخصوصاً أنها مرحلة معقّدة تتلبّد فيها الغيوم السياسيّة والأمنيّة في غياب الشخصيّة الإسلاميّة الرّائدة التي كانت تحتضن المقاومة وتحمي المقاومين وترعاهم، وتعيش همّ الإسلام على مستوى العالم كلّه.
إنّنا في الوقت الّذي نشعر بأهميّة هذه العاطفة الكبرى، وهذا التفاعل الوجدانيّ حيال سماحته (رضوان الله تعالى عليه) من الجميع، نشعر بثقل المسؤوليّة الواقعة على عاتق الجميع، والتي تستدعي حركةً دائبةً، وعملاً مسؤولاً، وتخطيطاً دقيقاً على جميع المستويات.
(انا لله وان اليه راجعون )
بينات

https://taghribnews.com/vdcfjtd0.w6dxmaikiw.html
المصدر : موقع بينات
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني
أدخل الرمز